دراسة أكاديمية جديدة تحذّر من أن تفسير اللجنة الدولية للصليب الأحمر المحدّث لمفهوم “الدروع البشرية” قد يضعف حماية المدنيين في غزة
ترى دراسة جديدة أعدّها الباحثان نيف غوردون ونيكولا بيروجيني أن تعليق اللجنة الدولية للصليب الأحمر لعام 2025 على اتفاقية جنيف الرابعة ينطوي على مخاطر تتمثل في توسيع المبررات القانونية التي تُستخدم لتسويغ قتل المدنيين وتدمير الممتلكات المدنية أثناء النزاعات المسلحة.
تثير دراسة أكاديمية نُشرت حديثاً للباحثين نيف غوردون ونيكولا بيروجيني مخاوف جدية بشأن تداعيات التفسير المحدّث الذي اعتمدته اللجنة الدولية للصليب الأحمر لحظر استخدام الدروع البشرية في النزاعات المسلحة. وتبحث الدراسة، المنشورة في مجلة London Review of International Law، تحت عنوان “تمكين عنف الدولة في زمن الإبادة الجماعية: تعليق اللجنة الدولية للصليب الأحمر بشأن الدروع البشرية”، كيف يمكن لتعليق اللجنة لعام 2025 على اتفاقية جنيف الرابعة أن يؤدي إلى تقويض حماية المدنيين بدلاً من تعزيزها.
ويتمحور تحليل الباحثين حول المادة 28 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، التي تحظر استخدام الأشخاص المحميين كدروع بشرية. وفي حين تقدّم اللجنة الدولية للصليب الأحمر تعليقها المحدّث باعتباره جهداً لتعزيز حماية المدنيين في الحروب المعاصرة، يرى غوردون وبيروجيني أن التفسير الجديد يوسّع بصورة كبيرة نطاق الظروف التي يمكن في ظلها اعتبار المدنيين والأعيان المدنية أهدافاً مشروعة للهجمات.
ويشعر الباحثان بقلق خاص إزاء توقيت هذا التفسير وتداعياته المحتملة في ظل حملة الإبادة الجماعية التي تشنّها إسرائيل في قطاع غزة. ويسلّطان الضوء على لجوء إسرائيل المتكرر إلى اتهامات استخدام الدروع البشرية لتبرير الهجمات على المدنيين الفلسطينيين وتدمير البنية التحتية المدنية. ووفقاً للدراسة، فإن التوسع في تفسير هذا المفهوم ينطوي على مخاطر توفير مبررات قانونية إضافية لهذه الادعاءات، بما يسمح بتصوير مناطق حضرية كاملة وسكانها المدنيين باعتبارهم جزءاً من استراتيجية مزعومة لاستخدام الدروع البشرية.
وتتمثل إحدى أبرز الانتقادات التي تطرحها الدراسة في اتساع فهم التعليق لمفهوم الدروع البشرية، ولا سيما في ما يتعلق بوجود الجماعات المسلحة ونواياها. ويرى غوردون وبيروجيني أن اللغة الملتبسة والتوسع في تحديد ما يشكّل استخداماً للدروع البشرية قد يتيحان للدول تصوير مساحات واسعة مأهولة بالمدنيين على أنها مرتبطة بنشاط عسكري. ويحذّر الباحثان من أن ذلك قد يضعف التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وهو أحد المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني.
كما تنتقد الدراسة ما يصفه الباحثان بالنهج المتمحور حول الدولة الذي تتبعه اللجنة الدولية للصليب الأحمر في تفسير القانون الدولي الإنساني. ويجادلان بأن المنظمة تعتمد بدرجة كبيرة على الأدلة الإرشادية والممارسات العسكرية للدول، رغم أن هذه الدول قد تكون لديها مصلحة في توسيع المبررات القانونية لاستخدام القوة، وفي المقابل نزع الشرعية عن الجماعات المسلحة من غير الدول. ويرى الباحثان أن هذا النهج ينطوي على خطر إعادة إحياء تفسيرات تقييدية لقوانين الحرب، من شأنها تقويض الحماية الممنوحة للسكان الذين يعيشون تحت الاحتلال وفي سياق النزاعات غير المتكافئة.
ولا تقتصر تداعيات هذا التفسير على غزة. إذ يحذّر الباحثان من أن التعليق المحدّث قد يؤثر في الإجراءات القانونية الدولية، بما في ذلك النقاشات المتعلقة بالانتهاكات المتعلقة باتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية. وعلى الرغم من أن القانون الدولي الإنساني واتفاقية الإبادة الجماعية يشكّلان إطارين قانونيين منفصلين، فإن تفسير القواعد المنظمة للنزاعات المسلحة يمكن أن يؤدي دوراً مهماً في تقييم ما إذا كانت الأفعال المرتكبة أثناء الحرب تشكّل إبادة جماعية. وبالتالي، قد تستند الدول إلى التفسير الموسّع لمفهوم الدروع البشرية للدفاع عن عملياتها العسكرية في مواجهة الاتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية.
وفي ختام الدراسة، يصف غوردون وبيروجيني التعليق المحدّث للجنة الدولية للصليب الأحمر بأنه فرصة ضائعة لتعزيز حماية المدنيين. ويدعوان المنظمة إلى إعادة النظر في تفسيرها لمفهوم الدروع البشرية، والابتعاد عن نهجها المتمحور حول الدولة، ووضع معايير قانونية أكثر صرامة لتحديد الحالات التي يمكن فيها تجريد المدنيين من الحماية المقررة لهم. كما يشددان على ضرورة أن تواجه اللجنة الكيفية التي توظّف بها الدول القانون الدولي الإنساني لتبرير العنف العسكري وإضفاء الشرعية عليه.
وبالنسبة إلى الباحثين، ينبغي أن تشكّل غزة نقطة تحوّل في مسار القانون الدولي الإنساني، بما يدفع إلى تجديد الجهود الرامية إلى صون مبادئ حماية المدنيين التي تأسست في أعقاب الحرب العالمية الثانية، بدلاً من السماح بمزيد من تآكلها.



