التعذيب والإبادة الجماعية: ملخّص تقرير المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة بشأن الاستخدام المنهجي للتعذيب من قبل إسرائيل ضد الفلسطينيين منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023
إعداد: القانون من أجل فلسطين
مقدمة
في 23 مارس/آذار 2026، قدّمت المقرّرة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، فرانشيسكا ألبانيزي، أحدث تقاريرها إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة خلال دورته الحادية والستين. ويتناول التقرير الاستخدام المنهجي للتعذيب من قبل إسرائيل ضد الفلسطينيين في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ويبيّن التقرير كيف يشكّل ذلك «سمة بنيوية من سمات الإبادة الجماعية الإسرائيلية الجارية ونظام الفصل العنصري الاستيطاني الأوسع» (الفقرة 1).
وكما في التقارير السابقة، واجهت محاولات المقرّرة الخاصة لجمع الأدلة عراقيل من قبل إسرائيل، ولذلك، يستند التقرير إلى مشاورات عن بُعد مع خبراء قانونيين وناجين من التعذيب، بالإضافة إلى 300 شهادة مكتوبة جمعتها منظمات عديدة، إلى جانب تحليل مصادر أولية ومصادر علنية، بما في ذلك روايات مقدّمة من مُبلّغين إسرائيليين (الفقرة 2). كما مُنعت المقرّرة الخاصة من دخول مصر، حيث كانت تعتزم لقاء أسرى فلسطينيين مُفرج عنهم والاستماع إلى شهاداتهم حول الظروف داخل السجون الإسرائيلية.
ولإبراز الصلة بين التعذيب والإبادة الجماعية، يحلّل التقرير الدوافع الكامنة وراء التعذيب (الفقرات 19-22)، ثم يتناول بالتفصيل التعذيب في أماكن الاحتجاز والتصعيد الحاد له منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 (الفقرات 23-29)، وأساليب التعذيب الرئيسية المستخدمة بشكل منهجي ضد المعتقلين من البالغين والأطفال (الفقرات 30-46)، كاشفاً كيف يُستخدم التعذيب كاستراتيجية ضمن حملة الإبادة الجماعية. ثم ينتقل التقرير إلى زاوية أخرى، فيتناول الإبادة الجماعية بوصفها شكلاً من أشكال التعذيب، من خلال النظر في الآثار المترتبة على إلحاق معاناة جسدية ونفسية شديدة بالجماعة ككل (أي الشعب الفلسطيني، ولا سيما في قطاع غزة). وفي هذا السياق، يفكّك التقرير عملية الإبادة الرامية إلى القضاء على قدرة الجماعة على البقاء، ليخلص إلى أنه في غزة قد تم تحويل القطاع بأكمله إلى معسكر تعذيب (الفقرات 50-60)، بينما في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، تطوّرت سلسلة متصلة من التعذيب، حيث تُستخدم تقنيات الطرد الاستيطاني والإبادة الجماعية لإلحاق معاناة جماعية مستمرة وصدمات عابرة للأجيال (الفقرات 61-68).
ينظر التقرير للتعذيب باعتباره التأثير الكلي المتراكم للعنف الإبادي الذي تنتهجه إسرائيل، رافضا التوصيف المجزأ لسلوك التعذيب باعتباره عملية منفصلة، حيث يرى أن هذا التوصيف المجزأ ساهم تاريخياً في دعم الإفلات من العقاب (الفقرات 69-71). وأخيراً، يتناول التقرير التصور السائد على مختلف مستويات المجتمع الإسرائيلي بوجود «حق في تعذيب» الفلسطينيين، مشيراً إلى أن ذلك حوّل التعذيب إلى ممارسة جماعية (الفقرات 72-81).
توثّق المقرّرة الخاصة كيف أصبح التعذيب جزءاً لا يتجزأ من سياسات الهيمنة والعقاب الجماعي والعنف الهادف إلى الإبادة ضد الفلسطينيين كشعب، بما يخلّف معاناة وألماً طويلَي الأمد، ويفرض نظاماً مستمراً وواسع النطاق من الإرهاب النفسي المصمّم لكسر الأجساد، وبث الخوف الجماعي، وتجريد الشعب من كرامته، وإجباره على مغادرة أرضه. ويعكس ذلك البنية الجوهرية للاستعمار الاستيطاني، القائم على نزع الإنسانية من خلال سياسات القسوة والتعذيب الجماعي. وإذ كان التعذيب دوماً عنصراً مركزياً في نزع ملكية الفلسطينيين، فقد أصبح اليوم سمة بنيوية من سمات الإبادة الجماعية الراهنة.
ويعرض التقرير كيف يتعرّض الفلسطينيون لأشكال متعددة من الإذلال والعنف، سواء عبر التعذيب داخل أماكن الاحتجاز أو خارجه. ويتجلى الأول في الممارسات القاسية داخل نظام الاعتقال الإسرائيلي والنظام السجني الأوسع، الذي يطبع القسوة ويعمل كمشروع أيديولوجي لتدمير المجتمع وإضعاف الأمة الفلسطينية/الشعب الفلسطيني. أما التعذيب الجماعي خارج أماكن الاحتجاز، فيتخذ أشكال التهجير القسري، والحصار، ومنع المساعدات والغذاء، والعنف العسكري والاستيطاني غير المقيد، إضافة إلى المراقبة الشاملة وبث الرعب، بما يفضي إلى تدمير مقومات الحياة وترك آثار نفسية وجسدية طويلة الأمد على السكان الواقعين تحت الاحتلال.
ويتمثل الهدف النهائي والمعلن لـ«البيئة التعذيبية» في التهجير القسري للفلسطينيين تمهيداً للضم والتوسع الاستيطاني، بما يخلق علاقة وثيقة بين التعذيب والإبادة الجماعية الاستيطانية (الفقرة 6). إن الاستخدام المنهجي للتعذيب عبر كامل الإقليم، وضد السكان «بصفتهم هذه»، ومن خلال سياسات تدمير مقومات الحياة وكسر الأجساد والعقول والقدرة الجماعية على الصمود، بهدف تقويض السلامة الجسدية والبقاء النفسي للجماعة، يشكّل دليلاً على وجود نية إبادة جماعية (الفقرة 7).
الإطار القانوني الواجب التطبيق
يبدأ التقرير بعرض الإطار القانوني الخاص بحظر التعذيب وفق القانون الدولي (الفقرات 9-18). بموجب القانون الدولي، يُعد حظر التعذيب وغيره من أشكال المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة قاعدة آمرة وحظراً مطلقاً لا يجوز التنازل عنه (jus cogens). بالإضافة إلى ذلك، يجب على جميع الدول التحقيق في أعمال التعذيب، وتجريمها، ومعاقبة مرتكبيها، وتوفير التعويضات عن أي أعمال تعذيب تحدث في الأراضي الواقعة تحت سلطتها القضائية أو سيطرتها الفعلية (الفقرة 9).
ويعد التعذيب جريمة حرب مستقلة، لكنه يمكن أن يُشكل أيضاً جريمة ضد الإنسانية أو جزءاً من جريمة الفصل العنصري ضمن جرائم ضد الإنسانية (الفقرة 11). كما أن أفعال التعذيب الفردية يمكن أن تُشكل جرائم ضد الإنسانية مستقلة مثل الاضطهاد، والاغتصاب، والتجويع، إلا أنها غالباً ما تعمل كأجزاء مترابطة ضمن نظام واحد من الهيمنة والتدمير (الفقرة 11).
تلاحظ المقررة الخاصة أن: «أي إبادة جماعية تنطوي على بعض أشكال التعذيب» (الفقرة 12). ويشكل التعذيب الذي يسبّب ضرراً جسدياً أو نفسياً شديداً أيضاً فعلاً من أفعال الإبادة وفق المادة الثانية (ب) من اتفاقية الإبادة الجماعية، عندما يُرتكب بنية محددة للقضاء على جماعة معينة كلياً أو جزئياً. كما أن الاستخدام المنهجي للتعذيب ضد سكان يمكن أن يُشكل دليلًا على النية الخاصة بالقضاء عليهم، لأنه يظهر ويثبت «إلحاق الضرر المتعمّد وقابلية التنبؤ به، واستغلال المعاناة لأهداف سياسية أو عسكرية» (الفقرة 13).
ويشير التقرير إلى أن عتبة الضرر الجسدي الشديد تشمل أي تدهور صحي أو تشوّه كبير، بينما قد يشمل الضرر النفسي الشديد، من بين أمور أخرى، الرعب والخوف والإكراه الذي يعيق قدرة الضحية على الحياة الطبيعية (الفقرة 14). وغالباً ما تنتج المعاناة الشديدة عن الإساءة المستمرة وطويلة الأمد، وليس عن أفعال فردية. فالحرمان طويل الأمد، والتهديدات المستمرة، وانعدام الأمن المفروض قد تُحدث تعذيباً نفسياً واسع النطاق كجزء من «بيئة تعذيبية» (الفقرة 15).
وعليه، ينظر الفقه القانوني إلى الأثر التراكمي لبيئة الاحتجاز والسياسات المطبقة، بالإضافة إلى النية، وشدة الضرر، والغرض من تلك السياسات. وعندما يتضمن «إلحاق الخوف المتعمد والمقصود» ويهدف إلى «الترهيب أو الإكراه»، فإن الضرر الناتج يعكس الغاية الأساسية للتعذيب: المعاناة المقصودة لإرساء «سيطرة كاملة» (الفقرة 17). كما توضح المقررة الخاصة أن عملية الإبادة الجماعية نفسها تشكل نظاماً تعذيبياً هيكلياً، تعمل عبر أساليب تدميرية تهدف إلى إلغاء قدرة الجماعة على البقاء (الفقرة 17).
التعذيب كفعل إبادي
أ. الدوافع
في هذا القسم، تفحص المقررة الخاصة الأدلة الواقعية على استخدام التعذيب بشكل منهجي كفعل إبادي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مع التركيز على التعذيب في أماكن الاحتجاز وأساليب التعذيب المستخدمة (الفقرات 19-46). وتبدأ بتوضيح كيف تقع هذه الممارسات ضمن إرث استعماري أوسع، مشيرة إلى أن نزع الإنسانية كان دعامة لأنظمة استعمارية وعنصرية، من خلال شرعنة التعذيب والإذلال ومحو الهوية كإجراءات إدارية مهيكلة ومنتظمة (الفقرة 19).
خلال الانتداب البريطاني على فلسطين، نُقلت تكتيكات التعذيب التي تم تطويرها في أيرلندا إلى الميليشيات الصهيونية، ولاحقاً دمجت في جهاز الأمن الإسرائيلي. ومنذ بدايات بناء الدولة وحتى الاحتلال الطويل، تطورت هذه الممارسات لتصبح “نظاماً بنيوياً من الأطر القانونية التمييزية والممارسات التشغيلية التعسفية” (الفقرة 22). في عام 1987، أقرّت لجنة لاندو الإسرائيلية عقيدة “الضرورة”، التي تسمح بممارسة ضغط نفسي و”ضغط جسدي معتدل” على الأشخاص المشتبه بتورطهم في الإرهاب (الفقرة 21). وقد أيدت المحكمة العليا الإسرائيلية هذه العقيدة في 1999، ووسّعت في 2018، ما أدى إلى الإفلات شبه الكامل من العقاب: من بين أكثر من 1300 شكوى تعذيب قدمت بين 2001 و2020، تم فتح تحقيقين فقط ولم تصدر أي لوائح اتهام (الفقرة 21).
ب. تصعيد التعذيب في أماكن الاحتجاز
منذ أكتوبر/تشرين أول 2023، استُخدم التعذيب في الاحتجاز على نطاق غير مسبوق كـ “ثأر جماعي عقابي”، حيث عومل جميع الفلسطينيين بشكل جماعي على أنهم “إرهابيون” و”تهديدات أمنية” (الفقرة 23). ويسجّل التقرير أن السلطات الإسرائيلية قد اعتقلت أكثر من 18,500 فلسطيني، بينهم ما لا يقل عن 1,500 طفل (الفقرة 24). واعتباراً من فبراير/شباط 2026، لا يزال 9,245 فلسطينيًا محتجزين، منهم: 1,330 محكوماً، 3,308 رهن الاعتقال، 3,358 معتقل إداري دون محاكمة، و1,249 مصنفين كـ “مقاتلين غير شرعيين”. كما تعرض أكثر من 4,000 إلى الاختفاء القسري، مع احتمال وفاة الكثير منهم. وقد قامت السلطات الإسرائيلية في البداية بإخفاء مواقع الاعتقال، وفشلت آلية تتبع المعتقلين التي أُنشئت في مايو/أيار 2024 في توفير معلومات أو وصول للعائلات أو المحامين أو اللجنة الدولية للصليب الأحمر (الفقرة 24).
كما قام الجنود الإسرائيليون باعتقال مجتمعات كاملة، بما في ذلك الأشخاص ذوي الإعاقات، والحوامل، وكبار السن، والأطفال (الفقرة 25). وقد استُهدف النشطاء، والأطباء، والعاملون في الصحة، والعلماء، والشخصيات السياسية، والصحفيون، وموظفو الأونروا بشكل خاص، وتعرضوا للاعتقال والتعذيب المتصاعد، وأحياناً أدى ذلك إلى الوفاة العنيفة (الفقرة 28). ومنذ أكتوبر/تشرين أول 2023، قامت السلطات الإسرائيلية باعتقال الفلسطينيين في معسكرات عسكرية مؤقتة -بالإضافة إلى مرافق السجون الإسرائيلية الرسمية- مثل سدي تيمان، أناتوت، وأوفر، حيث كانت المعاملة شديدة القسوة وغير إنسانية (الفقرة 26). ويُطبّق نظام التعذيب والقسوة عبر شبكة الاحتجاز هذه بتنسيق دقيق بين الجيش الإسرائيلي، وجهاز الأمن الإسرائيلي (الشاباك)، والشرطة الإسرائيلية، وإدارة السجون الإسرائيلية (الفقرة 29).
ج. أساليب التعذيب
في هذا القسم، تفحص المقررة الخاصة أشكال التعذيب التي تمارسها السلطات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة (الفقرات 30-40)، مستعينة بتقارير ومراسلات من المنظمات الفلسطينية والدولية للمجتمع المدني، إلى جانب الهيئات الأممية مثل اللجنة الأممية لمناهضة التعذيب ومكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان.
احتُجز الفلسطينيون في ظروف مهينة وخضعوا لقيود شديدة على الطعام، وهي سياسة وصفها إيتامار بن غفير، وزير الأمن الوطني الإسرائيلي، بأنها أحد “أعلى أهدافه” (الفقرة 30). تبدأ الانتهاكات منذ لحظة الاعتقال، حيث تُغطى عيون المعتقلين، ويُقيدون بعنف، ويُجردون من ملابسهم، ويتعرضون للتنمر من قبل الجنود الإسرائيليين (الفقرة 31).
وتهدف عمليات النقل المتكررة، بمعدل 4.5 مرات لكل معتقل، إلى إحداث ضغط نفسي وتشتت وخوف: حيث يُقيد المعتقلون بأغلال مؤلمة، ويُتبوَل عليهم، وتُوجه إليهم إهانات تستهدف هويتهم ودينهم، إضافة إلى تهديدات بالقتل (الفقرة 32).
في أماكن الاحتجاز، يُحتجز الفلسطينيون في الهواء الطلق في ما يُسمى بـ”قفص القردة”، أو في زنازين ضيقة، وأحياناً تحت الأرض (الفقرة 33). تشمل ظروف الاحتجاز إجراءات قاسية مثل القيود الطويلة، التعريض المتعمد للبرد، العزل الطويل، التجويع، الحرمان من الماء والنوم، حجب استخدام المراحيض أو الاستحمام، فرض ارتداء الحفاضات، وغطاء للعينين لعدة أيام، حتى أثناء الإجراءات الطبية (الفقرة 33). كما تُعرض الصور المدمرة لغزة في السجون التي تحتجز فلسطينيين من غزة، ما يشكّل شكلاً من أشكال التعذيب النفسي (الفقرة 35).
تشمل أشكال العنف الجسدي الشديد ما يلي: الإيهام بالغرق (waterboarding)، التعليق بالأصفاد، الضرب المبرح بالعصي والأسلحة الأخرى، رش رذاذ الفلفل، استخدام الغاز المسيل للدموع، الصعق بالكهرباء، حرق الجلد بالسجائر، استخدام الكلاب البوليسية، والعقاقير المهلوسة، وإجبار المعتقل على الركوع على الحصى أو البقاء في وضعيات إجهاد أو الانحناء مع التعرض للصفع والضرب والإذلال المنهجي (الفقرة 34).
كما يوثق التقرير استخدام التعذيب أثناء الاستجوابات، حيث يُجبر الأفراد على الاستماع إلى موسيقى صاخبة بشكل مستمر في ما يُسمى بـ”غرف الديسكو” لإحداث إرهاق حسي، بالإضافة إلى الحرمان من النوم والانهيار النفسي. وتعد التهديدات بالاغتصاب والقتل للمعتقلين وأحبائهم أمرًا روتينياً، ويُجبر المعتقلون على أداء أفعال خضوع شديد و”التصرف كالحيونات” (الفقرة 36).
ويتعرض المعتقلون أيضاً لعنف جنسي شديد، غالباً معصوبي الأعين، بما في ذلك الاغتصاب الجماعي باستخدام أدوات مثل القضبان الحديدية، الهراوات، وأجهزة الكشف عن المعادن، بالإضافة إلى الضرب والصعق الكهربائي للأعضاء التناسلية والشرج (الفقرة 37). كما يُصوّر المعتقلون عراة، وتُجبر النساء والفتيات على خلع الحجاب أمام الرجال (الفقرة 37). ويُمارس الحرمان الممنهج من الرعاية الطبية اللازمة لعلاج آثار التعذيب والتجويع (الفقرة 38).
وتشير المقررة الخاصة إلى أن هذا التعذيب المنهجي يُسهل من خلال عرقلة الوصول إلى المساعدة القانونية عبر ترهيب المعتقلين ومنعهم بالقوة من التحدث بحرية مع محاميهم، وحظر الزيارات، والاستجوابات الأمنية، وإلغاء الزيارات (الفقرة 40).
وتركز المقررة الخاصة على ثلاثة جوانب إضافية للتعذيب من قبل السلطات الإسرائيلية: نزع الطفولة القصوى extreme “unchilding”، الوفيات في الاحتجاز، وسوء المعاملة عند الإفراج، واستخدام التعذيب كاستراتيجية (الفقرات 41-46). تسجّل كيف يتم احتجاز الأطفال الفلسطينيين بشكل متزايد دون توجيه تهم أو محاكمة، ودون اتصال بأسرهم أو الوصول إلى محامين (الفقرة 41). ويُخضع الأطفال لنفس التعذيب وسوء المعاملة التي يتعرض لها البالغون، وهو ما تصفه المقررة بـ “نزع الطفولة القصوى” (الفقرة 42).
يوثق التقرير عددًا مرتفعًا بشكل خاص من الوفيات في الاحتجاز منذ أكتوبر/تشرين أول 2023، يقدر بين 84 و94 وفاة (الفقرة 43). ويشير إلى أن السلطات الإسرائيلية غالباً ما تحجز جثث الموتى أو تعيدها فقط بعد تحللها بما يمنع إجراء التشريح والتعرف على الجثث، وتشكل هذه الممارسات سوء معاملة للأسر المحرومة من أبسط حقوقها في الحداد على فقدان أحبائهم (الفقرة 44). بالإضافة إلى ذلك، يسلط التقرير الضوء على ممارسة إطلاق سراح المعتقلين دون إشعار مسبق وفي أماكن عشوائية، وغالباً ما يكونون مصابين، عراة، وفي منتصف الليل، وهو ما يُقدم كجزء من “نمط أوسع لانتهاك الكرامة” (الفقرة 45).
يتناول التقرير كيف تم، منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، “دمج” التعذيب المذكور أعلاه في حملة الإبادة الجماعية، التي أُعلن عنها صراحةً ونُفذت علناً (الفقرة 46). كما يُظهر الاستهداف المنهجي لفئات مهنية محددة، كالأطباء، نية “تفكيك القدرات التقنية اللازمة لبقاء الجماعة”.
وفقاً للمقررة الخاصة، لا يُعتبر هذا التعذيب مجرد عقوبة فردية، بل هو استراتيجية للتعذيب: تهدف إلى إذلال أجساد الفلسطينيين، وكسر سلامتهم النفسية، وتقويض قدرتهم على الصمود الجماعي (الفقرة 46). وغالباً ما تؤثر الأضرار الجسدية والنفسية للاحتجاز القصير الأمد على العائلات والمجتمعات بأكملها بشكل دائم وغير قابل للإصلاح.
الإبادة الجماعية بوصفها تعذيباً
بعد عرض الطرق التي استُخدم بها التعذيب كأداة للإبادة الجماعية، تفحص المقررة الخاصة كيف أصبحت الإبادة الجماعية نفسها شكلاً من أشكال التعذيب، يسبّب معاناة جسدية ونفسية شديدة على الجماعة بأكملها (الفقرات 47-71). وتشدد المقررة على أن التعذيب ينزع الإنسانية عن الضحية ويعمل بوصفه “نموذجاً أولياً للإقصاء من المجتمع البشري” (الفقرة 48). كما تفحص مظاهر الإبادة الجماعية بوصفها تعذيباً في غزة والضفة الغربية على التوالي (الفقرات 50-68).
أ. غزة
يوثق التقرير كيف أن أعمال الإبادة الجماعية في غزة تسببت بمعاناة نفسية وجسدية دائمة للفلسطينيين كجماعة، وحوّلت القطاع إلى معسكر تعذيب ضخم لا مكان فيه آمن والخوف فيه دائم (الفقرة 50). من خلال تصوير السكان جميعًا كـ”حيوانات بشرية” و”إرهابيين”، أو عبر استدعاء مفهوم “الدروع البشرية” و”الإرهابيين المستقبليين” عند الإشارة إلى الأطفال، حولت إسرائيل السكان المدنيين بالكامل إلى هدف (الفقرة 51).
استُخدم التهجير الجماعي لإحداث ألم جسدي ونفسي واسع تحت تهديد الإبادة، ما أجبر نحو مليوني شخص على الفرار، وترك كل شيء خلفهم، والتنقل وسط الفوضى للوصول إلى “مناطق إنسانية” غير آمنة وغير صالحة للحياة البشرية (الفقرة 52).
أُجبر السكان على مشاهدة تدمير المنازل والممتلكات والتراث، فضلاً عن المدارس والمساجد والمكتبات والمتاحف والمواقع الثقافية. هذا التدمير المنهجي للأسس المادية للثقافة يستهدف النسيج الاجتماعي ذاته، ويهاجم شعور الجماعة بهويتها واستمراريتها وانتمائها (الفقرات 53-55). كما أن تدمير معدات الإنقاذ بشكل منهجي ترك أكثر من 10,000 شخص محاصرين تحت الأنقاض، واضطر الناجون للبحث عنهم بأيديهم العارية وجمع أجزاء الجثث المتناثرة (الفقرة 55).
كما أصبح النظام الصحي نفسه هدفاً، حيث تضررت أو دُمرت جميع المستشفيات تقريباً، واستُهدف الأطباء والممرضون وسيارات الإسعاف، وأُجريت عمليات جراحية دون تخدير، وتوفي المرضى بسبب نقص الرعاية المنقذة للحياة والعدوى القابلة للوقاية. لقد كان الألم والموت الناتجان عن تفكيك الرعاية الطبية كسياسة متعمدة أداة محسوبة للترهيب (الفقرة 56).
وتم إحداث إعاقات دائمة على نطاق واسع، حيث أصيب 40,000 شخص بإصابات غير قابلة للمعالجة – فقد 4,000 منهم أطرافهم على الأقل – بينهم 10,000 طفل. هذه الإعاقة الواسعة تسبّب صدمة نفسية طويلة الأمد، وضعفاً، وخوفاً، وهشاشة (الفقرة 57).
كما تسبب الحصار المتعمد والجوع في معاناة جسدية ونفسية شديدة. توفي على الأقل 461 شخصًا، بينهم 157 طفلاً بسبب سوء التغذية، بينما أى الجوع إلى إضعاف الروابط الاجتماعية، إذ أصبحت “المصلحة الفردية للبقاء على قيد الحياة تغلب الدعم المتبادل” (الفقرة 59). كما استُدرج المدنيون اليائسون إلى مواقع توزيع الطعام التي عملت كـ”فخاخ”. وتلاحظ المقررة الخاصة أن “الجوع المستخدم كتعذيب مجتمعي هو تقنية استعمارية أعيد إحياؤها من أجل التسبب بالبؤس الجماعي وإحداث أضرار تراكمية وغير قابلة للإصلاح، لتدمير حاضر ومستقبل الشعب” (الفقرة 59).
تصف المقررة الخاصة كيف أن نظام الإكراه والعقاب المستمر يستخدم الأسلحة المتقدمة ليس فقط للقتل بل لإحداث الرعب والعجز والانهيار النفسي. تشمل هذه التقنيات المراقبة الجوية المستمرة بالطائرات المسيرة، وأسراب الطائرات الرباعية -كواد كابتر quadcopters-، والقنابل الغبية، وأسلحة التأثير الضخم، والأسلحة الحرارية، والفوسفور الأبيض، وأنظمة الاستهداف بالذكاء الاصطناعي، للتسبب في إصابات لا داعي لها أو معاناة غير ضرورية في انتهاك للبروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، مُدمجةً بذلك أحدث تقنيات الإبادة الجماعية في ممارسات التعذيب الجماعي (الفقرة 60).
ب. الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية
يوثق التقرير كيف أن الاحتلال الإسرائيلي أقام نظام مراقبة متطورا وشاملا ولا مفر منه عبر كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو نظام يعمل كأداة تعذيب عن طريق إرساء مناخ من الخوف في المجتمعات، وتقويض الروابط الاجتماعية، وقمع الحريات الفردية (الفقرة 61). كما تؤدي العمليات العسكرية واسعة النطاق إلى دمار جماعي وتهجير قسري (الفقرة 62).
ومنذ أكتوبر/تشرين أول 2023، تحوّل هذا النظام العقابي إلى نظام تعذيب، مُديمًا المعاناة الجماعية والصدمات النفسية المتوارثة عبر الأجيال (الفقرة 63). ويعمل كل من الجيش الإسرائيلي وميليشيات المستوطنين كنظام ترهيب يشكّل تعذيباً. كما تصاعدت الهجمات العسكرية و/أو المستوطنين بشكل حاد، مما أسفر عن 1,054 حالة قتل بين الفلسطينيين بين 2023 و2025 مع إفلات قانوني واسع وإشادة اجتماعية (الفقرة 64).
كما تم تدمير البنية التحتية الحيوية، والمنازل، وسبل العيش، والموارد الزراعية، وتهجير أكثر من 40,000 شخص. وقد تعطلت كل أبعاد الحياة اليومية، مما أدى إلى تصعيد المعاناة الجسدية والنفسية والاجتماعية طويلة الأمد (الفقرة 66).
وتحتفل مجموعات المستوطنين بتدمير غزة ويهددون الفلسطينيين في الضفة الغربية بمصير مشابه، ما يعكس عقلية الاستعمار الاستيطاني في استخدام التدمير الإبادي كوسيلة للتعذيب الجماعي ومعاقبة السكان الأصليين وتهديد وجودهم على الأرض (الفقرة 68).
ج. التعذيب كأثر تراكمي للعنف الإبادي
تشير المقررة الخاصة إلى تصريح سموتريتش الذي يوضح العلاقة بين إلحاق المعاناة الجماعية والإبادة الجماعية الاستعمارية الاستيطانية: “سيصبحون في حالة يأس شديد، مدركين أنه لا أمل ولا شيء ينتظرونه في غزة، وسيسعون للانتقال لبدء حياة جديدة في أماكن أخرى” (الفقرة 69).
ويُعاش “التعذيب الجماعي ضد الفلسطينيين كجماعة” باعتباره استمرارا للانعدام المزمن للأمن والخوف والمعاناة (الفقرة 62). وبتقييم الإبادة الجماعية كبيئة تعذيب تُقيّم بشكل تراكمي عبر مجمل السلوك الممارس ضد مجمل السكان في مجمل الأرض، تكشف هذه الممارسات عن هندسة متماسكة ومنهجية (الفقرة 71).
“الحق في تعذيب الفلسطينيين”
يشير التقرير إلى كيفية صياغة السلطة التنفيذية الإسرائيلية للتعذيب والنية الإبادية الكامنة وراءه، وتمكين السلطة التشريعية له وتبريره وتطبيعه، إذ تسنّ السلطة التشريعية قوانين وتعدّل أخرى تسمح بالتعذيب، في حين أن السلطة القضائية تفضّل باستمرار المزاعم الأمنية على الحقوق الأساسية للفلسطينيين، مما يضمن الإفلات من العقاب (الفقرات 73-74).
وبعيدا عن الأجهزة الرسمي للدولة، يساهم المهنيون الطبيون، والسلطات الدينية، والإعلام، والأوساط الأكاديمية، والشخصيات العامة، وقطاعات أخرى من المجتمع في الخطاب العام والموافقة والظروف التشغيلية التي تدعم التعذيب، مما يجعله مشروعا جماعيا: “نظام مجتمعي شامل حيث يكون نزع الإنسانية مقصوداً، والعنف مصرحاً به، والمساءلة مُتهرَبا منها” (الفقرات 77-81).
وقد وصف كبار الوزراء التعذيب بأنه “عمل مقدس”، والتحقيقات في الانتهاكات داخل السجون بأنها خيانة وطنية، ومنفذو الانتهاكات بأنهم “محاربون أبطال” (الفقرات 76-77). كما تواطأ العاملون في المجال الطبي في التعذيب، حيث أجرى أطباء السجون عمليات بتر أطراف دون تخدير، وفشلوا في توثيق الانتهاكات والإبلاغ عنها، وزوروا السجلات، بل وشاركوا أحياناً في الضرب والإطعام القسري للمعتقلين (الفقرة 78). وأعاد القادة الدينيون تأطير الانتهاكات على أنها واجب ديني، وشجعوا علناً على العقاب الجماعي (الفقرة 79). كما عكست وسائل الإعلام والأوساط الأكاديمية والثقافة الشعبية والرقمية نفس الخطاب (الفقرة 80).
الاستنتاجات
تخلص المقررة الخاصة إلى ما يلي:
منذ أكتوبر/تشرين أول 2023، أصبح التعذيب المنهجي للفلسطينيين مكوناً أساسياً من الإبادة الجماعية، ويعمل كأداة عنف إبادي موجهة ضد الفلسطينيين كشعب، بنيّة إبادة جماعية واضحة.
من خلال السياسات والممارسات الاحتجازية وغير الاحتجازية، يعكس إلحاق الضرر الجماعي طويل الأمد جهداً منسقاً للسيطرة على شعب ما ومحوه (الفقرة 82).
تعرض الأسرى الفلسطينيون لسوء معاملة جسدية ونفسية قاسية، تُلحق جراحاً عميقة ودائمة بأجسادهم وعقولهم وعقول أحبائهم (الفقرة 84). وقد تحوّل النظام إلى نظام من الإذلال المنهجي، والترهيب، والإكراه الواسع، يهدف إلى حرمان الفلسطينيين ليس فقط من حريتهم، بل من كرامتهم وهويتهم وحتى أبسط شعور بالإنسانية (الفقرة 84). وقد تم تأسيس هذه الممارسات داخل هياكل الاحتجاز، وأيدتها السلطات الإسرائيلية سياسياً، وبُررت علناً أو حتى احتُفِل بها من قبل فئات من المجتمع (الفقرة 84).
يتعرض الفلسطينيون لظروف تسبّب معاناة جسدية ونفسية جماعية شديدة تراكمياً. وفي هذا البيئة التعذيبية، يجعل تدمير الشروط الضرورية للحياة بشكل متعمد من الحياة اليومية تجربة من الإرهاق، والصدمات النفسية، وعدم الأمان (الفقرة 85).
وأصبحت الإبادة الجماعية “أقصى أشكال التعذيب: مستمرة، متوارثة عبر الأجيال، وجماعية” (الفقرة 86). ويهدف هذا النظام الشامل للتدمير إلى إلحاق معاناة دائمة، وإبادة الحياة اليومية، وخلق بيئة من الألم المستمر بهدف تقويض إمكانية الاستمرارية السياسية والثقافية والإقليمية، ومحو حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم نهائياً (الفقرة 86). ويشكّل هذا إلحاق أضرار جسدية ونفسية جسيمة وفق المادة الثانية (ب) من اتفاقية الإبادة الجماعية، وتعذيباً جماعياً متعمداً (الفقرة 86).
يتولى بن غفير، سموتريتش وكاتز وضع السياسات المسؤولة عن التعذيب. وأي مسعى جدي لتحقيق العدالة يجب أن يواجه التعذيب ليس كجريمة معزولة، بل كركيزة أساسية لمشروع إبادي يهدف إلى محو الشعب الفلسطيني بالكامل (الفقرة 87).
التوصيات
تحث المقررة الخاصة إسرائيل على (الفقرة 89):
- الوقف الفوري لجميع أعمال التعذيب وسوء المعاملة، تفكيك نظام الفصل العنصري، وإنهاء الاحتلال، وضمان المحاسبة، والتعويض الكامل، وضمان عدم التكرار، واتخاذ إجراءات للحفاظ على الذاكرة من خلال الإصلاح المؤسسي والتعليمي.
- إتاحة الوصول إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ولجنة التحقيق الأممية، ومكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، والخبراء والمحامين الأمميين لمراقبة الانتهاكات والتحقيق في جميع الجرائم المرتكبة.
وتحث المقررة الخاصة الدول الأعضاء على (الفقرة 92):
- الامتثال لالتزامها بعدم المشاركة أو التواطؤ في الجرائم الإسرائيلية، والعمل بدلاً من ذلك على منع ومعالجة الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي.
- تعزيز الآليات والموارد لجمع الأدلة للملاحقات القضائية، وتوضيح مصير جميع الفلسطينيين المفقودين، وضمان تقديم إسرائيل معلومات كافية.
- تفعيل آليات الاختصاص القضائي العالمي لمحاكمة الأفراد والكيانات المشتبه في تورطهم في الانتهاكات الجسيمة وغيرها من الجرائم الدولية.
- دعم برامج الدعم النفسي والاجتماعي للناجين وتسهيل نقلهم إلى دول ثالثة.
- ضمان توقف الكيانات والشركات التنفيذية عن جميع التعاملات مع إسرائيل.
وتحث المقررة الخاصة مكتب المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية على (الفقرة 93):
- التحقيق والملاحقة في أعمال الإبادة الجماعية والتعذيب وسوء المعاملة، وطلب إصدار مذكرات توقيف ضد بن غفير، كاتز وسموتريتش، فضلاً عن رئيس الأركان العامة للجيش الإسرائيلي وكبار المسؤولين في جهاز السجون الإسرائيلي المسؤولين عن مراكز الاحتجاز.
كما تحث المقررة الخاصة الدول والمؤسسات الدولية على بذل كل ما في وسعها لوقف تدمير ما تبقى من فلسطين (الفقرة 93).



