في فعالية جانبية بمجلس حقوق الإنسان في جنيف: خبراء يناقشون مسؤوليات الدول والشركات تجاه التجارة والاقتصاد المرتبط بالاحتلال الإسرائيلي غير القانوني
جنيف، سويسرا – 29 سبتمبر/أيلول 2026
نظمت منظمة القانون من أجل فلسطين (Law for Palestine)، بالتعاون مع الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان “ديوان المظالم”، فعالية جانبية رفيعة المستوى في قصر الأمم بجنيف، على هامش الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، تحت عنوان “ما يتجاوز منتجات المستوطنات: مسؤوليات الدول الثالثة والشركات إزاء الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني”، وجمعت نخبة من الخبراء القانونيين والحقوقيين، والدبلوماسيين، والباحثين، وممثلي الدول ومنظمات المجتمع المدني.
وركزت المناقشات على المسؤوليات القانونية المترتبة على الدول الثالثة والشركات في سياق استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية المحتلة، وعلى الأدوار التي يمكن أن تؤديها العلاقات التجارية والاستثمارية والمالية والتكنولوجية وغيرها من الروابط الاقتصادية في الإبقاء على هذا الوضع غير القانوني أو تغييره. وناقش المشاركون مجموعة واسعة من القطاعات والهياكل الاقتصادية التي تساهم في إدامة الاحتلال غير القانوني والمشروع الاستيطاني، بما في ذلك التجارة والاستثمار، والبناء والبنية التحتية، والسياحة، والخدمات المصرفية والمالية، والمشتريات العامة، والتكنولوجيا، وسلاسل التوريد الخاصة بالشركات.
واستند النقاش، بصورة خاصة، إلى الرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية في يوليو/تموز 2024 بشأن الآثار القانونية الناشئة عن سياسات إسرائيل وممارساتها في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك ما خلصت إليه المحكمة حول عدم مشروعية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، وما يترتب على ذلك من التزامات على الدول الأخرى. كما تطرق المتحدثون إلى الالتزامات المترتبة على الدول بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.
القيود على الحركة والوصول كجزء من واقع أوسع
وقد أدار الندوة الدكتور عمار الدويك، المدير العام للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، والذي تحدث عن الآثار اليومية للقيود الإسرائيلية المفروضة على الحركة والوصول. وقال الدويك: “أنا أعيش في رام الله، وابني يدرس في جامعة بيرزيت، التي تبعد عن منزلي نحو عشر دقائق فقط بالسيارة. وللوصول إلى الجامعة، عليه أن يسلك طريقًا داخليًا يقع ضمن منطقة رام الله. بالأمس، أعلنت الحكومة الإسرائيلية أن هذا الطريق سيُستخدم من قبل المستوطنين الإسرائيليين، وهو ما يعني البدء بإنشاء منظومة متكاملة من المراقبة والحواجز وأبراج المراقبة والكاميرات على امتداد الطريق”. أضاف” “واليوم، ونحن نتحدث، استولى مستوطنون إسرائيليون على الشارع، ورفعوا الأعلام الإسرائيلية، ومنعوا المركبات الفلسطينية من المرور في المنطقة”.
وأشار الدويك إلى أن هذه التطورات تأتي في سياق السيطرة الإسرائيلية على المنطقة المصنفة “ج” من الضفة الغربية، والتي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية، وما يرتبط بذلك من قيود على التخطيط والبناء والحركة والوصول إلى الأراضي والموارد، إلى جانب الحواجز وإجراءات المراقبة، والتي تؤدي إلى تقييد وصول الفلسطينيين إلى أماكن سكنهم وعملهم وتعليمهم.
الآثار الإنسانية والاقتصادية على الفلسطينيين
وفي مداخلته، نقل عصام عاروري، المفوض العام للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، شهادة عن الآثار المباشرة للسياسات والممارسات الإسرائيلية على حياة الفلسطينيين وسبل عيشهم، مستشهداً بحالة مزارع فلسطيني من بلدة بيت ريما شمال رام الله.
وقال عاروري: “أحمل معي اليوم صوت مزارع فلسطيني مسن من بلدة بيت ريما، شمال رام الله. فقبل أيام قليلة فقط، اقتُلع بستان الزيتون العريق الذي تملكه أسرته منذ قرون، أشجارٌ غرستها أجيال متعاقبة ورعتها وعاشت من خيراتها. دُمّرت، تاركة الأسرة دون أحد مصادر رزقها الأساسية”.
وأكد عاروري أن هذه الشهادة لا تمثل حالة فردية معزولة، وإنما تعكس، بحسب ما وثقته الهيئة، الآثار الإنسانية والاقتصادية الأوسع الناجمة عن تدمير سبل العيش الزراعية في أنحاء مختلفة من الضفة الغربية. وأشار إلى أن أكثر من 21,500 شجرة تعرضت للتخريب أو الاقتلاع خلال أغسطس/آب 2026 وحده، من بينها أكثر من 19 ألف شجرة زيتون، وذلك في وقت يستعد فيه الفلسطينيون لموسم قطاف الزيتون، الذي يمثل مصدرًا مهمًا للدخل والأمن الغذائي، فضلًا عن مكانته الثقافية والاجتماعية.
وأوضح أن شجرة الزيتون بالنسبة إلى المزارع الفلسطيني ليست مجرد مورد زراعي، بل تمثل أيضًا جزءًا من تاريخ الأسرة وصلتها بالأرض، وأن تدميرها يترك آثارًا تتجاوز الخسارة المادية المباشرة. وأشار عاروري إلى الارتفاع المستمر في القيود المفروضة على حرية الحركة والوصول في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، موضحًا أن عدد العوائق أمام الحركة ارتفع من 925 عائقًا حتى ديسمبر/كانون الأول 2025 إلى 945 عائقًا، وهو أعلى مستوى مسجل منذ عشرين عامًا.
مسؤوليات الدول الثالثة: عدم الاعتراف وعدم المساعدة
من جهتها، أكدت أنيشا باتيل، رئيسة قسم الإجراءات القانونية في منظمة القانون من أجل فلسطين، أن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي التي وثقتها منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية على مدى سنوات أصبحت تنعكس بصورة متزايدة في استنتاجات وآراء الهيئات القضائية الدولية وآليات الأمم المتحدة.
وأوضحت أن مسؤوليات الدول الثالثة إزاء هذه الانتهاكات تشمل، من بين أمور أخرى، عدم الاعتراف بشرعية الوضع غير القانوني الناشئ عن الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، وعدم تقديم العون أو المساعدة في استمراره، والتعاون من أجل وضع حد للانتهاكات. كما أشارت إلى الالتزامات الناشئة بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، بما في ذلك واجب منع الإبادة الجماعية وعدم التواطؤ فيها وضمان المساءلة عنها، في ضوء ما قررته الهيئات الدولية المختصة.
وأكدت باتيل أن الاحتلال والمشروع الاستيطاني لا يمكن النظر إليهما بمعزل عن البنى الاقتصادية الأوسع للدول الإسرائيلية واقتصادها، الأمر الذي يوجب على الدول التدقيق في علاقاتها التجارية والاستثمارية، ونقل الأسلحة، والخدمات المالية، والتعاون الأكاديمي، وغيرها من أشكال العلاقات التي قد تسهم في استمرار وضع غير قانوني.
القانون الاقتصادي الدولي يؤكد على أن التزامات الدول تتجاوز مجرد حظر التجارة مع المستوطنات
بدورها، وسّعت كِيندا محمدية، المستشارة القانونية في شبكة العالم الثالث (Third World Network)، النقاش ليشمل العلاقة بين مسؤوليات الدول الثالثة والقانون الاقتصادي الدولي. وأوضحت محمدية أن واجب عدم تقديم العون أو المساعدة لا يمكن اختزاله في فرض قيود على منتجات المستوطنات وحدها، بالنظر إلى الترابط الواسع بين الاقتصاد الإسرائيلي والأنشطة الاقتصادية الجارية في الأرض الفلسطينية المحتلة.
وقالت إن الدول مطالبة بالنظر في مجمل علاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والمالية والأكاديمية مع إسرائيل، وتقييم مدى مساهمة هذه العلاقات في استمرار الوضع غير القانوني.
وأكدت محمدية أن قواعد التجارة والاستثمار الدوليين لا ينبغي التعامل معها باعتبارها عائقًا تلقائيًا أمام وفاء الدول بالتزاماتها بموجب القانون الدولي، مشيرة إلى وجود مسارات قانونية ضمن منظومة منظمة التجارة العالمية، والاتفاقيات الثنائية، وقانون الاستثمار الدولي، يمكن للدول الاستفادة منها عند اتخاذ تدابير تهدف إلى الوفاء بالتزاماتها الدولية.
وشددت على ضرورة تطبيق هذه الالتزامات بصورة متسقة وغير انتقائية، محذرة من أن إخضاع التدابير لاعتبارات سياسية أو اقتصادية متباينة يقوض مصداقية القانون الدولي وفعاليته.
الاتحاد الأوروبي: إمكانات السياسة التجارية
وتناول مانويل ديفرز، المحامي في فرنسا والاتحاد الأوروبي، الإطار القانوني الأوروبي الناظم للتجارة المرتبطة بالمستوطنات، مستندًا إلى اجتهادات محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي.
وأوضح أن الأراضي الفلسطينية المحتلة تتمتع بوضع قانوني منفصل ومتميز عن إسرائيل، وأن المعاملات الاقتصادية المرتبطة بهذه الأراضي ينبغي أن تراعي، من بين أمور أخرى، حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير ومبدأ موافقته على أي معاملات تتعلق بأراضيه المحتلة. وأشار ديفرز إلى أن القيود المفروضة على التجارة المرتبطة بالمستوطنات يمكن، من الناحية القانونية، أن يتم تبنيها في إطار السياسة التجارية المشتركة للاتحاد الأوروبي، وهو ما يعني تجاوز مشكلة الحاجة إلى إجماع كل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وليس بالضرورة باعتبارها تدابير عقابية تندرج ضمن السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، والتي تحتاج إلى الإجماع غير المتوفر حاليا.
مسؤولية الشركات وسلاسل القيمة
من جانبه، ركز روبرت غرابوش، المحامي الألماني المتخصص في الأعمال وحقوق الإنسان، على مسؤولية الشركات وآليات الإنفاذ على المستوى الوطني للدول. وأكد أن مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان تضع على عاتق الشركات مسؤولية احترام حقوق الإنسان في مختلف أنشطتها وعبر سلاسل القيمة والتجارة الخاصة بها، في حين تتحمل الدول مسؤولية اتخاذ التدابير المناسبة لمنع تورط الشركات في الانتهاكات.
ودعا غرابوش الدول إلى القيام بمسؤوليتها عبر اتخاذ التدابير اللازمة لمنع تورط الشركات في الانتهاكات، داعيا إلى تطوير إرشادات دولية أكثر وضوحًا وتعزيز الأطر الوطنية التي تضمن حماية فعالة للحقوق الفلسطينية، بما في ذلك من خلال التشريعات والإجراءات الإدارية والآليات القضائية، وبما يتيح مساءلة الشركات عندما تسهم أنشطتها في انتهاكات حقوق الإنسان.
وقد بُثت الفعالية مباشرة عبر الإنترنت. ويتوفر تسجيل البث المباشر عبر الرابط هنا -انقر/ي-.



